عن الصلاة من أجل الراقدين للقديس باييسيوس
يقول الكتاب: «قد انتقل من الموت إلى الحياة» (يو24:5)؛ بناء عليه، فالحياة هي الموت والموت هو انتقال إلى الحياة الحقيقية. وبالتالي فمَن استعد لذلك، ينتقل بفرح عظيم إلى الحياة.
يحتاج الراقد بالرب إلى صلوات متواصلة مكثفة في الأيام الأربعين التي تلي الرقاد، لأن النفس تكون مضطربة وتائهة لا تدري إلى أين تتوجه.
التقى القديس باييسيوس في الدير امرأة متقدمة في السن أسرع لتقبيل يده، فقبّل بدوره يدها. عند رقادها حضر الجنازة وقبّلها القبلة الأخيرة كما جرت العادة، وشعر بورع كبير. بعد ذلك حدث له أمران غريبان: الأول حدث في اليوم السابع لرقادها، حيث عاين نفسها كملاك صغير يشعْ وهو يطير في السماء وقامتها تشبه قامة فتاة في الثانية عشرة من عمرها. أما الأمر الثاني فحصل في قلايته في جبل آثوس، إذ ظهرت له في الحلم تشكره على صلاته من أجلها وتضرب أمامه مطانية بورع ووقار كبيرين. كان الحلم مؤثراً واستيقظ بفرح كبير. تأكد من يوم وفاتها، فإذ هي قد ماتت منذ أربعين يوماً.
يجب أن يضاء قنديل أمام المقبرة لأنه بمثابة قربانة تُقدّم من أجل الراقدين. كما أن شمعة تُضاء من أجل نفس رقدت تساعد كثيراً. من الضروري تذكّر الراقدين والصلاة من أجلهم فيجدون راحة.
علينا أن نرتفع بفكرنا نحو الراقدين ونحن نصلي من أجلهم لأنهم غير قادرين على الصلاة من أجل نفوسهم، يتكلون على صلواتنا، فلنصلّ من أجلهم ولنقدِّم لهم ما يعجزون عنه.
كان رجل يطوف في جبل آثوس ويسأل عن فرص للعمل. كان طيباً جداً ولطيفاً أحبه الجميع ووجدوا فيه سمات الراهب الحقيقي فعرضوا عليه الدخول في سلك الرهبنة. ولكن العامل يوحنا كان يرفض متذرعاً بالذنوب الكثيرة التي اقترفها في حياته. كان يطلب منهم أن يصلّوا من أجله. ذات يوم ساعد القديس باييسيوس في صنع خزانة توضع عليها الأيقونة للتقبيل فعرض عليه القديس باييسيوس بعض المال فرفض رفضاً قاطعاً قائلاً: «أريد أن تصلي من أجلي لأني رجل خاطئ»، رحل ولم يعد يراه. بعد فترة قصيرة جاء أحد الرهبان وأبلغ القديس باييسيوس بأن العم يوحنا رقد وان الراقد تراءى له مرتين في الحلم وأرسله ليبلغه عن ضرورة ذكره مع الراقدين وليس مع الأحياء. تعجب وسأله ماذا حدث له. فقال: ذهب إلى أحد الأديار ومكث هناك يساعد في الأعمال اليومية. وعندما أحس أنه مشرف على الموت، طلب من الرئيس بأن يُدفن في جوار الدير. خصّص الرئيس للميت مكاناً مناسباً، وطلب من الراهب المسؤول عن المقبرة أن يتلو على قبره كل يوم صلاة التريصاجيون (قدوس الله… و… أيها المخلص أرحْ نفس عبدك…) واظب الكاهن على ذلك مدة من الزمن. بعد فترة تغيّر نظام الخدمة في الدير كالمعتاد ولم يعد هذا الكاهن مسؤولاً عن المقبرة، إذ كُلِّف بالعمل في دار الضيافة وصار من الصعب عليه أن يذهب كل يوم إلى مقبرة العم يوحنا فقصّر في تنفيذ الوصية. ظهر العم يوحنا للكاهن في الحلم وطلب منه أن يذهب إلى القديس باييسيوس فيصلي من أجله كل يوم ويتوسل من أجل توبته. وبما أنه صار مع الأموات ولم تعد التوبة ممكنة، طلب إليه أن ينقل إلى القديس باييسيوس رغبته في ذكره مع الراقدين لينال تعزية ورحمة.
وهكذا نرى أن الأموات أشد حاجة للصلاة من الأحياء لينالوا الرحمة. فالأحياء يحدوهم الأمل بالتوبة والعودة إلى الله على عكس الأموات. وقد شاء الله أن يصلي الأحياء من أجل الأموات لينالوا الرحمة قبل الحكم في يوم الدينونة العظيم.