العذراء مريم والخليفة المأمون
لمّا تولّى الخليفة العبّاسيّ المأمون الخلافة في بغداد أمر باضطهاد المسيحيّين، فأرسل أميرًا بصحبة مائة فارس، وأمره أن يمضي إلى البلاد المصريّة ويهدم كنائسها، فوصل الأمير إلى مدينة إتريب ونصب خيامه فيها.
عاش في هذه المدينة راهب اسمه يوحنّا، كان كاملاً في جميع تصرّفاته، ملازمًا البيعة أثناء الصلوات كلّ يوم ليلاً ونهارًا. فلمّا سمع بالخطر المحيق بالكنيسة، قام وصلّى إلى الربّ طالبًا معونته، ثمّ تقدّم إلى خيمة الأمير. ولمّا مثَل بين يديه قال له:
– مولاي، أطلب منك أن تبصر هذه الكنيسة قبل أن تأمر بهدمها، فهي كنيسة على اسم السيّدة العذراء، وهي أوّل كنيسة بُنيت على اسمها في هذه الديار المصريّة.
– تعلم، أيّها الراهب، أنّ الخليفة أمر بشيء لا يمكن مخالفته البتّة.
– صدقت، يا مولاي، ولكن أمهلني في بقاء الكنيسة مدّة ثلاثة أيّام، فإذا لم يحضر إليك خطّاب الخليفة المأمون ببقاء هذه الكنيسة بعد ثلاثة أيّام، فلمولانا الأمر فيما يختار ويريد.
– يا شيخ، بيننا وبين مدينة بغداد مدّة شهرين ذهابًا وشهرين إيابًا. هذا الكلام لا يمكن لعاقل أن يتكلّمه. على كلّ حال، لن نخالفك، يا شيخ، في طلبك.
ثمّ انصرف كلّ منهم في سبيله. وهكذا انتصب الراهب للصلاة والتضرّع ببكاء أمام أيقونة السيّدة، وقال: “يا سيّدتي وسيّدة العالم كلّه، هذا أوان شفاعاتك، فلا تتخلّي عن كنيستك. إسألي الربّ ليُظهر لنا عجائبه في بقاء هذه الكنيسة”. ولم يزل الراهب المبارَك يتضرّع ليلاً نهارًا وهو صائم مدّة ثلاثة أيّام، فتحنّن الربّ عليه، ونظر صبره وإيمانه، فنطقت أيقونة السيّدة، وقالت: “أبشرْ، يا يوحنّا، قد وصل خطّاب الخليفة إلى الأمير في هذه الساعة من مدينة بغداد، يأمره ببقاء الكنيسة، فلا تخشَ شيئًا وتقوَّ بالربّ”. ففرح الراهب فرحًا شديدًا وسجد للربّ وهو يسبّح ويرنّم.
أمّا الأمير، فقد رأى في الصباح طير حمام أبيض وفي منقاره بطاقة مختومة، فقال لغلامه: “من رمى هذا الطير إلى الخيمة؟ فأجاب الغلام:”لا نعلم من أيّ جهة قَدِمَ ولا من أيّ مكان دخل”. ثمّ ناوله البطاقة، ففتحها وقرأها، فوجد فيها خطّ الخليفة مؤرَّخة في تلك الساعة. وجاء فيها: “نُعلم الأمير أنّه حين وقوفك على خطّنا هذا أسرعْ بالحضور إلينا ولا تتعرّض لكنيسة إتريب ولا لبقيّة الكنائس التي أمرناك بهدمها”.
تحيّر الأمير وتعجّب وقال لغلامه: “خذ معك رجالاً من أصحابنا وأسرعْ بإحضار الشيخ الراهب”. ولمّا رآه الأمير عن بُعد قام واستقبله بفرح وبشاشة وقال له:
– عرّفني أين كنت منذ فارقتني؟
– كنت في الكنيسة أطلب من الله أن يتحنّن على ضعفنا في بقاء هذه الكنيسة. وفي هذه الساعة كلّمتني السيّدة العذراء من أيقونتها أنّه قد وصل إليك خطاب ّ مولانا الخليفة ببقاء هذه الكنيسة، فشكرت الله على ذلك.
– حقًّا قد أتانا خطاب ّ مولانا الخليفة بتاريخه كما كُتب في هذه الساعة، مع طير. والآن، يا راهب، قد تحقّقتُ أنّ شفاعة هذه السيّدة قويّة جدًّا، وقد أمرني الخليفة أن أمضي إليه، فقمْ أنا وأنت إلى هذه الكنيسة حتّى أتشفّع إلى السيّدة لتكون لي عونًا في الطريق وفي سائر الأمور.
فقاما للوقت ودخلا الكنيسة وسأل الأمير السيّدة بطلبة وتضرّع جزيل، ثمّ دفع من ماله مائة دينار وودّع الراهب ومضى، متوجّهًا إلى الخليفة إلى مدينة بغداد متعجّبًا وممجّدًا الله على ما رأى.
ولمّا وصل إلى بغداد اجتمع بالخليفة، فقال له هذا الأخير:
– هل وصل إليك خطّنا؟
– نعم يا سيّدي. لقد وصل صحبة طير حمام أبيض جاء في تاريخ كذا وكذا نحو الصبح في الليلة الفلانيّة، وهو معي إلى الآن. ولكن، بالله عليك، يا مولاي، أن تعلمني هذا الأمر العظيم الذي أذهل عقلي.
– أعلمك أنّه قبل أن أكتب هذه البطاقة بثلاثة أيّام رأيت أنّ قصري قد أضيء بنور عظيم مثل البرق لا بل أعظم من ضوء البرق، وسمعت أصوات التهليل والتعظيم، فقلت: “ما هذا؟”، فأجابني شخص يقول لي: “أما تعلم أنّ السيّدة مريم في قصرك؟ قمْ واسجد لها”. فقمت وسجدت لها ثلاث مرّات وسمعت صوتها يقول لي: “من أمرك لتتعدّى على كنيستي التي في مدينة إتريب وتأمر بهدمها؟”. فقلت: “حاشا أن يكون ذلك، يا سيّدتي، ولا علم لي بذلك أبدًا”. فردّت: “هيّا اكتب أمرًا في بقاء هذه الكنيسة، ليحصل لك كلّ خير”. فلمّا أصبح الصباح تهاونت عن كتابة الأمر. وفي الليلة الثانية سهوت كذلك عنه. وفي الليلة الثالثة ظهرت لي تلك الرؤيا بعينها. وصرخ ذلك الصوت وأقامني من سريري بارتعاش عظيم قائلاً لي: “لولا الورقة التي أريدها منك لسلبت مهجة قلبك بسبب تهاونك بكلامي هذا، ها ثلاثة أيّام وأنا أخاطبك لأجل كنيسة إثرب لتكتب لي كتابًا بخطّ يدك في بقائها”. فقلت: “يا سيّدتي، سوف أكتب ولكن من يوصله إلى الأمير؟”. فقالت: “لا تسل عن ذلك”. فقمت من نومي وكتبت الورقة ثمّ ختمتها وطويتها، فباغتني طير حمام أبيض وخطفها من يدي، ولا أدري من أين أتى ولا من أين خرج. والآن قد تحقّقنا أنّها عجيبة معجزة للسيّدة أمّ الإله”.
ثمّ أمر الخليفة أن تُبنى كنيسة على اسم السيّدة القدّيسة مريم بجانب قصره، وأمر أن يُصلّى ويُقدَّس فيها كلّ سنة مرّتين في أيّام عيدها.