
في كيفية ترويض الذهن لوقايته من الجهل
إن الثقة بالله وعدم الاتكال على النفس، هما قاعدة وطيدة لا يمكن تناسيها في الحرب الروحية. إلا أن هذه المقولة لا تكفي، فثمّة أمور ينبغي القيام بها من أجل البناء الروحي. فالاكتفاء بالمقولة لا يكفي وحده للوصول إلى النّصرة، فقد نسقط في شرّ كبير. من هنا يتوجّب علينا القيام ببعض الرياضات النافعة للذهن والإرادة معاً. فالذهن يجب أن يُصان من الجهل والغباوة الّتي تضرّه. الجهل يُعيق الذهن عن بلوغ معرفة الحق، أساس العمل الروحي وهدفه السّامي. لهذا لا بُدّ من ترويضه كي يستأهل البلوغ إلى القامة المطلوبة لتنقية النفس من أوجاعها، وتجميلها بالفضائل.
وثمّة سبيلان يتمكّن المرء بهما من بلوغ نقاوة الذهن:
الأولى والأهم هي الصلاة التي بها نضرع إلى الروح القدس فينسكب نوره الإلهي في أعماقنا، ولنا كل الثقة في ذلك إذا كان التضرّع إلى الله بإخلاص، وكُنّا نتوق إلى تمثّل إرادته في كل شيء ونخضع الإرشادات الخبراء الروحيين دون القيام بأيّ عمل خارج مشورتهم.
أمّا السّبيل الثانية فتقوم على ترويض الذهن ليتمكّن من اختبار كل شيء، والتدقيق فيه بِقَصد معرفته للتمييز بين الحسن والرديء. فحكمنا لا يجوز أن يكون دنيوياً بل نابعاً من الروح القدس أو من كلمات الكتب الإلهية الملهمة، أو كلمات الآباء القديسين والمُعلِّمين في الكنيسة. وإذا كان اختبارنا هذا ومعرفتنا صائبين، وفي لياقة، فمن شأنها أن يخوّلانا أن نفهم بصفاء، انه يجب اعتبار أمور العالم الأعمى، عديمة القيمة مُزَيَّفة وباطلة وان أمجاد العالم وملذّاته وغناه، ليست بشيء، وأنها كلّها باطلة وتؤول إلى موت النفس، وان الافتراءات والوشايات التي بها يُعادينا العالم ويضطهدنا، تأتينا بالمجد الحق، وإن آلام العالم هي لنا مدعاة فرح وان مسامحة خصومنا وأعدائنا، وإتيان الخير لهم، لهي الشهامة الحقيقية، وهي من أعظم ميزات التشبّه بالله (الصيرورة على مثاله).
وإن من يحتقر العالم، لهو أقوى ممَّن يسود العالم ويحكمه. وان الطاعة طوعاً، لهي شأن يبرز شجاعة الروح وقوّته أكثر من الإنتصار على ملوك جبابرة واستعبادهم. وإن معرفة الذات المقرونة بالتواضع ، لهي أَولى من كلّ ضعف المعرفة مهما سَمَت. وإن اخضاع الشر والميول والشهوات مهما صَغُر شأنها لهو شأن جدير بالثَّناء أكثر من احتجاز ومحاصرة قلاع كثيرة، وغلبة جيوش جرّارة في كامل عدّتها وتجهيزها. لا بل ان إخضاع الشر، هو شأن يفوق صنع العجائب ويضاهي إقامة الموتى.
(القديس نيقوذيموس الآثوسي من كتاب “الحرب اللامنظورة” ص٥٦-٥٧) مجموعة مواضيع عقائدية وروحية
No Result
View All Result