
دير سيّدة الناطور تسكنه راهبة واحدة منذ الحرب الأهليّة
موقعه الجغرافي
يعتبر دير سيّدة الناطور من الأديرة العريقة في الشمال، وهو تابع لأبرشيّة طرابلس والكورة وتوابعها للروم الارثوذكس.
يقع هذا الدير في منطقة الحريشة – انفه ويطلّ على البحر. هذا الموقع المميّز سمح ببناء رأس بحري يُعرف ب “رأس الناطور”، فوق كهفٍ تغمره مياه المتوسّط. لهذه الأسباب دُعي ب “النّاطور”
يحوي هذا الدير على أيقونة عجائبية تسمى أيقونة سيدة النورية العجائبية.
يتداول اهالي منطقة انفه قصّة مفادها انّ رجلاً ثرياً أراد التكفير عن خطاياه، فقصد الدير المحاذي للبحر، ورمى فيه مفتاح خزنة نقوده، وقال:
“إذا أعيد المفتاح إليّ يكون الله قد صفح عن جميع خطاياي”. وعاش في الدير زاهداً، يعتاش من الطعام الذي يقدمه إليه الصيّادون.
وذات يوم رمى احد الصيّادين شبكته في البحر، وقال في نفسه: “سأقدم لهذا الفقير كل ما اصطاده”. ووفى وعده. وبعد برهةٍ، إكتشف الرجل داخل إحدى السمكات مفتاحه الذي رماه. عندها، أيقن أن الله صفح عن خطاياه، فوزّع أملاكه وأمواله على الفقراء وعاد إلى حياة النسك والصلاة. وربما تعود تسمية الدير بالناطور إلى الفترة الطويلة التي قضاها الرجل في الدير منتظراً رحمة الله”.
الدير عبر التاريخ
بني الدير في القرن السادس وتهدّم بفعل الزلازل التي ضربته تباعاً، وأعيد بناؤه سنة 1113.
تهدّم القسم الغربي منه عام 1914 عندما صبّت باخرة حربية تابعة للحلفاء حممها عليه بعدما تعرضت للنيران من البّر، إذ اعتقد جنودها أن الدير قلعة للأتراك.
يتمتّع الدير بموقع استراتيجي، اذ يقع في منطقةٍ مكشوفةٍ بصرياً ومطلّةٍ على الاديار المحيطة مثل دير سيّة النوريّة، مار يعقوب دده وسيدة الريح في قلعة أنفه بالإضافة الى ميناء طرابلس. وبفعل موقعه، مرّت عليه جيوشٌ كثيرةُ واتّخذته حصناً لها.
يعدّ هذا الدير ارثاً تاريخياً ومسيحياً عريقاً، فالعمارة فيه مزيجٌ من البيزنطيّة والحلبيّة والصّليبيّة مع التّمعّن في الأيقونات. ولكن للأسف فإنّ مخطوطات الدير وكتبه وارثه الثقافيّ فُقِد خلال الحروب الكثيرة التي مرّ بها الدّير، كما ضاع بعضها بفعل الإهمال.
حروبٌ عديدة القَت بثقلها على دير سيّدة الناطور في انفه، فالحرب العالميّة الأولى تكفّلت بدمار الجناح الشمالي للدّير، وهجره الرّهبان آنذاك هرباً من الخطر.
راهبة واحدة في الدير!
في تشرين الثاني من العام 1973، وفبل الحرب الأهليّة اللبنانيّة، اتت الأخت كاترين الجمل الى دير سيّدة الناطور انفه وسكنت فيه بلا تردّد. ومع العلم انّ الدير كان مظلماً ومعزولاً، وتنقصه الكثير من الإصلاحات واعمال الترميم، الا انّ الأخت كاترين تنسّكت فيه وعملت جاهدةً على ابرازه بأجمل حلّة. وتُسجّل للأخت كاترين هذه الخطوة الجريئة وهذه الشجاعة الكبيرة التي تحلّت بها وما زالت. وواصلت الأخت كاترين الإشراف على اعمال الترميم بعد الحرب الأهليّة وكثيراً ما كانت تساعد في هذه الأعمال.
الأرشمندريت قيس صادق عن الدير:
كتب الأرشمندريت قيس صادق. في كتابه عن الدير أنّ أصله بيزنطي من القرن السادس، وقد سُمّي هذا الدير على اسم الكهف الذي في أسفله شبه المغمور بمياه البحر، أي كهف “الناطور”، وهنالك أكثر من تفسير أسطوري لهذه التسمية. ومع مجيء الصليبيين، قام حول الدير الصغير، والكهف القديم، الدير الحاليّ المحتفظ إلى اليوم بأبّهة حجارته، وعقوده وأقواسه ومراميه، وكان بمثابة برج بحريّ يساند قلعة البلمند القريبة، وتقول وثيقة فرنسيّة أنّه جدّد عام 1115 على يد الرهبان السيسترسيان، وحفل بالحياة الرهبانية التي ظلّت مزدهرة طوال عهد الصليبيين، وبعد رحيلهم وسقوط طرابلس في يد المنصور قلاوون 1289 أصبح هذا الدير، بحسب الوثيقة يخصّ الأرثوذكس بحجّة الإرث لأنّ الدير اللاتيني حلّ، أيّام الصليبيين، محلّ الدير البيزنطيّ القديم. ويتحدّث المرجع نفسه عن كنيسة الدير ذات الإيقونسطاس الخشب المحفور وخشبيّات أُخرى محفوظة بعناية. بعد تسلّم الأرثوذكس الدير استمرّت فيه الحياة الرهبانيّة لأنّه لم يتعرّض للتخريب على غرار دير البلمند. فكثرت مع الوقت وقفياته وهِباته، واتّسعت شهرته، وأُنشئ فيه جناح خاصّ لاستقبال الزوّار والضيوف والغرباء، ومع اسطبلات للخيول والدواب، وتكرّست للدير حرمة، لدى أبناء الجوار. تعرّض إبّان الحرب العالمية الأولى للقصف من بارجة روسيّة ظنّ قائدها أنّ جنوداً أتراكاً يتحصّنون فيه، وبقيت إلى الآن فجوة كبيرة مفتوحة على البحر من الجهة الشمالية فوق الدير.



No Result
View All Result