
حقّا ما قاله الربّ في سفر التكوين‘ولنصنع للإنسان عونًا إزاءه
في ليلة رأس السنة، جلس المؤلّف الكبير أمام مكتبه، وأمسك بقلمه وكتب: “في السنة الماضية أجريت عمليّة إزالة المرارة، ولازمت الفراش شهورًا طويلة، وبلغت الستّين من العمر، فتركت وظيفتي المهمّة في دار النشر الكبرى التي ظللت أعمل بها ثلاثين عامًا، وتوفي والدي، ورسب ابني في كلّيّة الطبّ لتعطّله عن الدراسة شهورًا عدّة بسبب إصابته في حادث سيّارة… وفي نهاية الصفحة كتب: يا لها من سنة سيّئة”.
ودخلت زوجته غرفة مكتبه، ولاحظت شروده، فاقتربت منه، ومن فوق كتفه قرأت ما كتب، فتركت الغرفة بهدوء. وبعد دقائق عادت، وقد أمسكت بيدها ورقة أخرى، وضعتها بهدوء بجوار الورقة التي سبق أن كتبها زوجها، فتناول الزوج الورقة وقرأ فيها: “في السنة الماضية شُفيت من آلام المرارة التي عذّبتك سنوات طويلة، وبلغت الستّين من العمر وأنت في تمام الصحّة، ولم تفقد أحدًا من أولادك، وستتفرّغ للكتابة والتأليف بعد أن تمّ التعاقد معك على نشر أكثر من كتاب مهمّ. وعاش والدك حتّى بلغ الخامسة والثمانين بغير أن يسبّب لأحد أيّ متاعب، وتوفي بهدوء من دون ألم. ونجا ابنك من الموت في حادث السيّارة، وشفي، والحمد لله، من دون أيّ عاهات أو مضاعفات…”. وختمت الزوجة ورقتها قائلة: “يا لها من سنة تغلّب فيها حظّنا الحسن على حظّنا السيّئ”.
ثمّ وضعت يدها على كتفه، وقالت برقّة وحنان: “اسمح لي، أيّها الزوج الحبيب أن أروي لك هذه القصّة، على أن تعطيني رأيك فيها بعد ذلك:
في أحد مناجم الفحم، وقف صبيّ صغير، ابن لعامل، ينتظر صعود العمّال من المنجم. فرآه أحد المشرفين على العمل وسأله:
– ماذا تفعل هنا؟
– إنّي أنتظر أبي.
– لن يمكنك أن تتعرّف عليه من بين الرجال الذين سيخرجون ويرتدون جميعًا خوذات متشابهة، ولهم نفس الوجه الأسود المغطّى بغبار الفحم! من الأفضل أن تعود إلى البيت!
– وبمنتهى البراءة أجابه الصغير: ولكنّ أبي يعرفني. ويعرف أنّي أنتظره، ولو طال قدومه، كما يعرف أنّ انتظاره يسعدني.
أرأيت، أيّها العزيز، ما أروع هذه الإجابة!! لقد كان يعلم أنّه غير قادر على التعرّف على أبيه، ولكنّه كان يعلم، أيضًا، ويثق أنّه من المحال ألاّ يراه والده!!
فلتكن لنا ثقة هذا الصغير، ولنتذكّر أنّ إلهنا، في أقسى لحظات حياتنا، يرى كلّ شيء، ويسمع كلّ شيء، ويعلم كلّ شيء. ثمّ هتفت:
كن دائمًا واثقًا في إلهك:
فعينه عليك طول السنة من أوّلها وحتّى نهايتها”.
نظر الزوج إلى زوجته باعتزاز وقال: “حقّا ما قاله الربّ في سفر التكوين‘ولنصنع للإنسان عونًا إزاءه’. فإن ضعف عضو أعانه وسنده العضو الآخر. أشكرك من كلّ قلبي على كلماتك الرقيقة، وثقي بأنّ هذا الطفل البريء أسدى إليّ درسًا لن أنساه طول حياتي.
ثمّ طلب منها أن تأتيه بالطلبة الخاصّة برأس السنة قائلاً: هيّا بنا نصلّي ليبارك لنا الربّ خطواتنا في العام المقبل. ركع الاثنان أمام أيقونة السيّد التي كانت تتصدّر الغرفة، وبدأ الزوج يتلو هذه الصلاة بتمهّل وخشوع:
أيّها الرّبّ إلهنا، يا من لا بدء له ولا نهاية،
لقد صنعت كلّ شيء لأجل منفعتنا وخلاصنا،
بارك دخولنا في هذه السّنة الجديدة بنعمتك الإلهيّة،
وهب الخصب للأرض، وهيّئ اعتدال الأهوية،
وأعطِ السلام للبلاد، لنتفرّغ لعبادتك ومحبّتك.
أنر عقولنا بوصاياك، وقوّنا لصنعها.
واحفظ كنيستك المقدّسة وكلّ خدّام المسيح.
ربِّ الأحداث، واعضد الشيوخ،
وارشد الضّالين، واهدِ المشتّتين،
وأهّلنا بفم واحد وقلب واحد
أن نسبّحك ونمجّد الإله الواحد في ثالوث
غير المبتدئ والأبديّ إلى دهر الداهرين.
No Result
View All Result